جلال الدين السيوطي

266

الدر المنثور في التفسير بالمأثور

الله لها جدولا من الأردن فذلك قوله قد جعل ربك تحتك سريا والسري الجدول وحمل الجذع من ساعته رطبا جنيا فناداها من تحتها جبريل هزي إليه بجذع النخلة لم يكن على رأسها سقف وكانت قد يبست منذ دهر طويل فأحياها الله لها وحملت فذلك قوله تساقط عليك رطبا جنيا يعنى طريا بغباره فكلي من الرطب واشربي من الجدول وقرى عينا بولدك فقالت فكيف بي إذا سألوني من أين هذا قال لها جبريل فاما ترين يعنى فإذا رأيت من البشر أحدا فأعنتك في أمرك انى نذرت للرحمن صوما يعنى صمتا في أمر عيسى فلن أكلم اليوم انسيا في أمره حتى يكون هو الذي يعبر عنى وعن نفسه قال ففقدوا مريم من محرابها فسألوا يوسف فقال لا علم لي بها وان مفتاح محرابها مع زكريا فطلبوا زكريا وفتحوا الباب وليست فيه فاتهموه فأخذوه ووبخوه فقال رجل انى رأيتها في موضع كذا فخرجوا في طلبها فسمعوا صوت عقيق في رأس الجذع الذي مريم من تحته فانطلقوا إليه فذلك قول الله فاتت به قومها تحمله قال ابن عباس لما رأت بان قومها قد أقبلوا إليها احتملت الولد إليهم حتى تلقنهم به فذلك قوله فاتت به قومها تحمله أي لا تخاف ريبة ولا تهمة فلما نظروا إليها شق أبوها مدرعته وجعل التراب على رأسه وإخوتها وآل زكريا فقالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يعنى عظيما يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا يعنى زانية فاني أتيت هذا الامر مع هذا الأخ الصالح والأب الصالح والام الصالحة فأشارت إليه تقول لهم ان كلموه فإنه سيخبركم فاني نذرت للرحمن صوما أن لا أكلمكم في أمره فإنه سيعبر عنى فيكون لكم آية وعبرة قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا يعنى من هو في الخرق طفلا لا ينطق فأنطقه الله فعبر عن أمه وكان عبرة لهم فقال إني عبد الله فلما ان قالها ابتدأ يحيى وهو ابن ثلاث سنين فكان أول من صدق به فقال إني أشهد انك عبد الله ورسوله لتصديق قول الله ومصدقا بكلمة من الله فقال عيسى آتاني الكتاب وجعلني نبيا إليكم وجعلني مباركا أينما كنت قال ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم البركة التي جعلها الله لعيسى انه كان معلما مؤدبا حيث ما توجه وأوصاني بالصلاة والزكاة يعنى وأمرني وبرا بوالدتي فلا أعقها قال ابن عباس حين قال وبرا بوالدتي قال زكريا الله أكبر فاخذه فضمه إلى صدره فعلموا انه خلق من غير بشر ولم يجعلني جبارا شقيا يعنى متعظما سفاكا للدم والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا يقول الله ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون يعنى يشكون بقوله لليهود ثم أمسك عيسى عن الكلام حتى بلغ مبلغ الناس * وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو نعيم عن مجاهد رضي الله عنه قال قالت مريم كنت إذا خلوت حدثني عيسى وكلمني وهو في بطني وإذا كنت مع الناس سبح في بطني وكبر وأنا أسمع * وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال حين حملت وضعت * وأخرج ابن عساكر عن الحسن رضي الله عنه قال بلغني ان مريم حملت لسبع أو تسع ساعات ووضعته من يومها * وأخرج ابن عساكر من طريق عكرمة رضي الله عنه عن ابن عباس قال وضعت مريم لثمانية أشهر ولذلك لا يولد مولود لثمانية أشهر الا مات لئلا تسب مريم بعيسى * وأخرج الحاكم عن زيد العمى قال ولد عيسى يوم عاشوراء * وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن نوف قال كانت مريم عليها السلام فتاة بتولا وكان زكريا زوج أختها كفلها فكانت معه فكان يدخل عليها يسلم عليها فتقرب إليه فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء فدخل عليها زكريا مرة فقربت إليه بعض ما كانت تقرب قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله ان الله يرزق من يشاء بغير حساب هنالك دعا زكريا ربه إلى قوله آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا صحيحا فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم كتب لهم أن سبحوا بكرة وعشيا قال فبينما هي جالسة في منزلها إذا رجل قائم بين يديها قد هتك الحجب فلما أن رأته قالت انى أعوذ بالرحمن منك ان كنت تقيا قال فلما ذكرت الرحمن فزع جبريل عليه السلام قال انما أنا رسول ربك ليهب لك غلاما زكيا إلى قوله وكان أمرا مقضيا فنفخ في جيبها جبريل فحملت حتى إذا أثقلت وجعت ما يجع النساء وكانت في بيت النبوة فاستحيت وهربت حياء من قومها فأخذت نحو المشرق وأخذ قومها في طلبها فجعلوا يسألون رأيتم فتاة كذا وكذا فلا يخبرهم أحد واخذها المخاض إلى جذع النخلة فتساندت إلى النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا قال حيضة من حيضة فناداها من تحتها قال